محمد بن عبد الله الصفار
157
رحلة الصفار إلى فرنسا
الأحجار أو غيرها إلا كأنها خيوط متصلة ذاهبة معنا ، ولا نحقق الحجر ولا غيره . وكنا نجهد كل الجهد أن نقرأ رشم الغباري « 1 » الذي في جانب الطريق لحساب الأميال ، مع كونها مرشومة بالسواد في أحجار بيضاء بحروف غليظة قدر الإصبع ، فلا نحققها ولا يستقر بصرنا عليها لسرعة السير . وزعموا أنهم إذا أوصلوا هذه الطريق بالحديد من مرسيليا لباريز تكون المسافة بينهما بالمرور فيها نحو يوم وليلة . ولهم في هذه الطريق وفي غيرها من طرق الحديد بابورات متعددة تذهب وتجيء . ولكن كل بابور له ساعة معينة معلومة لا يسافر إلا فيها ، خوف أن يلتقي اثنان في محل واحد فيتصادما ويمنع كل منهما مرور الآخر . والغالب أن يجعلوا في الطريق الواحدة ممرين لبابورين فيمكن أن يذهبا معا ، لاكن كل واحد في ممره . وإن كانا متسامتين ويكون أحدهما ذاهبا والآخر راجعا وكل واحد في محله ، ويلتقيان فلا يلتطمان ولا يتناطحان ، لأن لكل واحد ممره على حدته ، وربما جعلوا فيها ثلاثة . وهذا الطريق مقصورة على هذا البابور لا يمر فيها راجل ولا راكب ، وفيها لأجل ذلك حرس وعسس خوفا من مصادمة البابور أو من يلقاه فيها . وإذا رآه الماشي فيها على غفلة قد لا يمكنه الانحراف عنه حتى يصل إليه لشدة سرعته ، ولذالك جعلوا في هذا البابور صفارات يسمع تصفيرها من بعيد ليعلم أنه جاء ليلا يأتيه على غفلة . وإذا كان بابور آخر جائيا لوجهه فيعلم به فيعمل بحسابه . وإذا أراد الرءيس أن يوقف هذا البابور في أثناء الطريق أوقفه ، ولا بد له من الوقوف لأجل تبديل الماء الذي يحرك بخاره النواعير . ومع ذلك فقد يجعلون في هذه الطريق محالا بسبائك الحديد في جانب الطريق لينحرف يمينا أو شمالا إذا عرض له عارض ، لكن في بعضها لا في كلها . وشأن هذه الطريق أن تكون سهلة مستوية لا عقبة فيها ولا انحدار ، فإذا عرض لهم جبل رفعوا الميزان عليه من بعيد فلا تبقى عقبة . وإذا لم يمكنهم ذلك ولا محيد لهم عن المرور فيه ، فإنهم يشقون الطريق في بطنه تحت الأرض حتى تنفد إلى خارجه ، ويقيلون عليها بالبناء بإحكام وإتقان ، ويمرون في بطن الجبل حتى يجاوزونه .
--> ( 1 ) يقصد بها الصفار الصوى ( مفردها صوة ) التي هي أحجار منبثة بطريقة منتظمة على جوانب طول الطريق وتكتب عليها أعداد الأميال الفاصلة بين نقط انطلاق المسافرين ونقط وصولهم حتى تكون دليلا لهم في الطريق . وأما لفظة رشم الغباري فتعني الأرقام العربية ( المعرب ) .